التفسير العلمي للحالات النفسية 1. الوراثة (Genetics) أظهرت دراسات التوائم والعائلات أن الاكتئاب (Major Depressive Disorder – MDD) يتمتع بمكون وراثي ملموس، مع تقدير الإرث الوراثي (heritability) بنحو 37–40٪ تقريبًا. دراسة حديثة بعنوان “Familial genetic and environmental transmission of depression: A multi‐informant twin family study” (2024) أظهرت أن هناك تأثيرات وراثية مضافة (additive genetic) وتأثيرات وراثية مهيمنة (dominant genetic) مع مساهمات مهمة للعوامل البيئية غير المشتركة. تحليل التغاير الجيني بين الاكتئاب ومؤشر كتلة الجسم (BMI) أظهر وجود تشارك جيني بين المرض النفسي والحالة الأيضية، مما يشير إلى أن بعض الجينات تؤثر على كل من المزاج والوظائف البدنية. 2. النواقل العصبية (Neurotransmitters) نظريات المونوأمين (monoamine theory) تظل من الركائز في تفسير الاكتئاب: الخلل في السيروتونين، الدوبامين، والنورأدرينالين يُعد عاملًا أساسياً. البروتين العصبي المُغذّي للدماغ (Brain‐Derived Neurotrophic Factor – BDNF) أيضاً له دور مهم. مثلاً، تباين في الجين BDNF Val66Met تم ربطه بخطر الاكتئاب. 3. المحور الهرموني / محور التوتر (Stress Hormone Axis) محور Hypothalamic-Pituitary-Adrenal (HPA axis) هو محور أساسي في الاستجابة للتوتر. عند التعرض لضغوط مزمنة، يفرز الجسم هرمون الكورتيزول بكمية زائدة أو يكون هناك خلل في استجابته. هذا الخلل يُرتبط بالاكتئاب واضطرابات المزاج. دراسة بعنوان “The cortisol axis and psychiatric disorders: an updated review” (2025) تستعرض كيف أن ارتفاع أو اضطراب مستويات الكورتيزول يؤثر على الوظائف المعرفية وتنظيم العاطفة، ويزيد من قابلية الإصابة باضطرابات نفسية. في فترة ما بعد الولادة (postpartum)، تم التمييز بين أنماط الكورتيزول المرتبطة بالقلق، الاكتئاب، والتوتر لدى النساء، مما يدل أن التنظيم الهرموني يختلف حسب نوع الضائقة النفسية. 4. التفاعل بين العوامل الوراثية والبيئية (Gene-Environment Interaction) هناك دراسات تُظهر أن وجود استعداد وراثي لا يكفي وحده لظهور الحالة النفسية؛ فالبيئة تلعب دورًا حيويًا، مثل التعرض للضغوط النفسية، الصدمات، أو البيئات الاجتماعية الداعمة أو المجهدة. دراسة GWAS واسعة (من معهد علم الوراثة النفسية) التي شملت ملايين من الأفراد من خلفيات متنوعة، وجدت عدة مئات من متغيرات جينية مرتبطة بالاكتئاب، لكن كل منها بمفعول صغير، والمخاطر الحقيقية تأتي من تراكم هذه المتغيرات + العوامل البيئية. 5. الآليات الأخرى: الالتهاب والتغير العصبي تشير بعض الأبحاث إلى أن الالتهاب المزمن (chronic inflammation) قد يساهم في تطور بعض الاضطرابات النفسية، عبر تأثيراته على النواقل العصبية وعلى أداء الجهاز العصبي. التغير العصبي أو التنكس العصبي (neurodegeneration) قد يظهر في الحالات التي فيها ضغط مزمن، أو اضطرابات مزاجية طويلة المدى، حيث يقل إنتاج BDNF، وتقل القدرة على تكوين الاتصالات العصبية الجديدة (neuroplasticity). --- خلاصة الحالات النفسية مثل الاكتئاب والقلق تُفسَّر علميًا من خلال: 1. عوامل وراثية قوية لكن ليست مهيمنة وحدها. 2. اختلال في النواقل العصبية كالسيروتونين والدوبامين، مع دور لبروتينات داعمة مثل BDNF. 3. تنظيم هرموني معقد يتعلق باستجابة التوتر، خاصة محور HPA والكورتيزول. 4. تفاعل بين الاستعداد الوراثي والبيئة: الظروف الحياتية، التجارب، والمحفزات تلعب دورًا كبيرًا في إنعاش أو كبت العوامل الوراثية. 5. آليات إضافية مثل الالتهاب، والتغيرات في التشابك العصبي، والتعرض المستمر للإجهاد والتي قد تؤدي إلى تأثر بنى الدماغ ووظائفه.
تعليقات
إرسال تعليق